أحمد بن علي القلقشندي
34
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأمره أن يعتمد في إخراج الزكاة ما أمر اللَّه تعالى به ، وهدى منه إلى أرشد فعل وأصوبه ؛ ويقوم بذلك القيام الذي يحظيه بجميل الذّكر ، وجزيل الأجر ، ويشهد له بزكاء المغرس وطيب النّجر ( 1 ) ؛ ويقصد في أداء الواجب منه ما يصل أمسه في التوفيق بيومه ، ويطلق الألسنة بحمده ويكفّها عن لومه ، متجنّبا من إخلال بما نصّ عليه في هذا الباب ، أو إهمال فيه لما يليق بذوي الدّيانة وأولي الألباب ؛ ومتوخّيا في المسارعة إليه ما يتطهّر به من الأدناس ، ويتوفّر به حسن الأحدوثة عنه بين الناس ؛ فقد جعل اللَّه تعالى الزكاة من الفروض التي لا سبيل إلى المحيد عنها ، ولا دليل في الفوز أوفى منها ؛ وأمر رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بأخذها من أمّته ، وأبان عن كونها مما يجتنى كلّ مرغوب فيه من ثمرته ؛ ووصل الأمر له في ذلك بما يوجب فضل المسابقة إلى قبوله : لما فيه من الحظَّ الكامل في استنارة غرره وحجوله ، في قوله سبحانه : * ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * ( 2 ) . وأمره أن يهذّب من الدّنس خلاله ، ويصل بأقواله في الخير أفعاله ؛ ويمتنع من تلبية داعي الهوى المضلّ ، ويتّبع سنن المتفيّء بالهدى المستظلّ ؛ ويقبض يده عن كل محرّم توثق أشراكه وتوبق غوائله ، وتؤذن بسوء المنقلب شواهده ودلائله ، ويجعل له من نهاره رقيبا على نفسه يصونها عن مراتع الغيّ ومطارحه ، وأمينا يصدّ عن مسارب الإثم ومسارحه ؛ فإنّها لا تزال أمّارة بالسّوء إن لم تقد إلى جدد الرّشد ، وتقم لها سوق من الوعظ يبلغ فيها أقصى الغاية والأمد ؛ فالسعيد من أضحى لها عند سورة الغضب وازعا ، وأنحى عليها بلوم يغدو معه عن كلّ ما يسخط اللَّه تعالى نازعا ، وأن يتنزّه عن النّهي عمّا هو له مرتكب ، والأمر بما هو له مجتنب : إذ كان ذلك بالهجنة حاليا ، وبين المرء وبين مقاصد هديه حائلا ، قال اللَّه تعالى : * ( أَتَأْمُرُونَ ) *
--> ( 1 ) النجر : الأصل . ( 2 ) التوبة / 103 .